[ النصر؛ الفخ العاطفي ]


- تساؤلاتي هذه المرة: 

هل غادرتُ المدرّج حقًا؟ أم أنني أغلقتُ الباب فقط، وأنا أعلم أنني سأعود لفتحه عند أول بارقة أمل؟

أمرٌ محتومٌ ألَّا يختار المرء وطنه، ولا نسبه، ولا والديه، ويبدو أنه لا يختار أيضًا هذا الأصفر الذي أصبح قدره، لقد كان "النصر" دائمًا فخًا عاطفيًا تقع فيه وأنت مأخوذٌ بجماله الخارجي، الخارجي وحسب.

في كل موسم ينتهي بخيبة، أو بطولة تضيع في اللحظة الأخيرة، أقف مع نفسي وأقول بحزم:
"انتهى الأمر. هذه آخر مرة أربط فيها مزاجي ويومي بـ كرةٍ يركض خلفها البشر".

أقنع نفسي بالابتعاد، وأراقب من بعيد وببرودٍ متكلّف، وأظنُّ أنني تعافيت من هذا التعلّق المُرهق.

- لكن ماذا يحدث؟
تبدأ التحضيرات، يحضر نجم جديد، يعود الشعار ليلمع، وتظهر الوعود ذاتها:
"هذه المرة مختلفة"، "هذا موسم الحصاد"، "النصر عاد"، وفي لحظات، ينهار كل ما بناه العقل من قرارٍ بالقطيعة والهجران، أجد نفسي أرتدي القميص من جديد، وأرتّب يومي على موعد المباراة، وأحجز مقعدي في الملعب، وأنتظر صافرة البداية، وكأنني لم أعاهد نفسي قبل فترة أنني اكتفيت وهجرت!

أعود إليه بكامل إرادتي، دونما إجبار أو إكراه، وأمضي بغرابة نحو الفخ ذاته ومعيَ شغفٌ لا يفهمه إلا من عاش هذا الانتماء.

وما إن اطمئِن؛ وأفتحُ قلبي للحلم، حتى تبدأ الصدمات المعتادة! فالنصر لا يخذلك بطريقة عابرة؛ بل يُجيد صناعة الخيبة.

هذا الفريق يمنحني الأمل حتى أظن أنني بلغت القمة، ثم يسحب كل شيء مني في اللحظة الأكثر خنقًا للروح، وبسيناريو لا يكون إلا في الدراما المصطنعة: هدف في الدقيقة الأخيرة، ركلة جزاء تضيع، قرار فني غريب، أو إصابة تُربك الفريق في أوج تألقه.

فأبقى محدقًا بذهول، وأتساءل بدهشة:
كيف عدنا إلى النهاية نفسها مرة أخرى يا نصر؟

إنها الدائرة ذاتها في كل موسم؛ أحمل الأمل إلى القمة، وقبل أن أفرح بالوصول، وملامسة المجد؛ يتدحرج كل شيء إلى القاع، لأبدأ الرحلة من جديد.
حالة من الغضب والتعب أعيشها الآن، لكنني لا أتصوّر أن أغادر، فالنصر ليس مجرد فريق يُهتف له، بل حالة يعيشها المرء، وعلاقة طويلة ممتدة بين الصبر والوفاء، وأملٌ يحيا في كل مرة، ولا يموت، صدقًا لا يموت، وهذه حقيقتي معه.

قد يتكرر مني القول بالاكتفاء، ورغبة الرحيل والقطيعة، لكنّني أدرك في دواخلي أنه متى ما حان موعد النصر فسأعود مُختارًا لذات الفخ، منتظرًا ويلاته الجديدة بكل حب؛ وحسرة.



فهــد / ١٧ مايو ٢٠٢٦م

(بعد خسارة اللقب الآسيوي وقبل جولة حسم الدوري)








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

[ الرَّجلُ الذي كُنت ]

[بريقُ الدموع والذهب]