[ الرَّجلُ الذي كُنت ]

لقد تغيَّرتْ أشياء كثيرة في داخلي دون أن أشعر؛ ملامحي، روحي، نظرتي للحياة، وحتى قلبي الذي كان يومًا ما ممتلئًا بالاندفاع والرغبة.
في إحدى الليالي الباردة تأملتُ انعكاس وجهي على زجاجٍ بللته قطرات المطر، كنت حينها أبحث في ملامحي عن ذلك الرجل الذي كنته قبل سنوات؛ الرجل الذي كان يحمل معه الكثير من الأحلام والآمال، ويرى العالم والمستقبل بشغفِ الحالمين، أين ذهب؟
كيف تآكلت تلك الملامح الباسمة والرحبة ليظهر بدلًا منها هذا الوجه الجاد، المثقل بالأسئلة، والذي خطَّت عليه الخيبات والنجاحات -على حدٍّ سواء- تجاعيدها البائسة وآثارها الظاهرة؟
مضت سنوات العُمر كنهرٍ يجري سريعًا، لا يلتفت خلفه، وقد وصف محمد عبدالباري مُضِيَّ الأنهار وصفًا أراه يشابه مُضِيَّ السنين فقال:«لا خلْف للأنهار؛ لا تاريخ لا .. نُستالجيا أبدًا تسيرُ أماما .. هي وحدها من لم تقِفْ في عمرها .. لتقول للطلل الأخيرِ سلاما .. لكأنَّ مُطلِقها تجاه مصبِّها .. جعل الرجوعَ إلى الوراءِ حراما».
لم أكن أدرك ذلك في طفولتي ظنًّا مني أن هذه الأيام ممتدةٌ بلا نهاية، وأن هذا الوجود لا انقضاء له، وكنت -بجهالةٍ- استعجِلُ الغدَ الأكبر، متوهمًا أن ما حلمتُ به سيكونُ واقعًا لا محالة.
والآن؟
ها أنا أقف في منتصف الرحلة، ولا أتوسل لعقارب الساعة أن تعود، بل أرجوها أن تبطئ ركضها هذا فقط، لعلِّي التقطُ أنفاسي، واستجمع شتاتي.
إنَّ الحقيقة التي أدركتها بعد ذلك كله تكمن في غرابة هذا النضج الذي تسرَّب إليَّ بشكلٍ مفاجِئ؛ ووجدتُ نفسي معه أصافحُ واقعي بوقارٍ وهدوءٍ لم أكن آلفه على نفسي، ونسيت شخصيَ الحالم الذي اعتدته، وكبرتُ عليه.
وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ الامتنان هو أقل ما يمكن أن أقدمه لكل هذه السنين التي شكَّلت هذه الشخصية؛ فقد أصبحتُ أكثر عمقًا، وإدراكًا، وربما أشد صمودًا .. وإن كنتُ لا أراهن كثيرًا على الأخيرة.
ختامًا:
التصالح مع فكرة العبور هو النجاة؛ فكرة أننا مجرد عابري سبيلٍ في رحلة الحياة، وأن لحظة الوصول لن ندركها نحن، بل سيدركها عنَّا غيرنا حينما يوارينا الثرى، وما علينا إلا التعايش مع كل فصولها، وتفاصيلها، وتقلباتها، ومواقفها، والأشخاص العابرين فيها .. ومنهم أنا، وكلماتي هذهِ التي تقرؤها الآن.
فهــد، ١٩ مايو
ذاتَ سهَر.
تعليقات
إرسال تعليق